مناقيش بعيدة - تيسير نظمي قاص من فلسطين إلي رولا فتال
قالت وعيناها دافئتان بالمعني والفهم والترقب: إنها قصتك ، ألم تحس بذلك ؟ وبقيت تنتظر ردة فعلي علي عرضها المسرحي . أما أنا فأبقيت عينيّ علي العرض الذي أخرجته هي وتنتظر مني الآن أن أبدي وجهة نظري به سلباً أو إيجاباً وفي نفس الوقت كنت قد أدركت من نغمة صوتها بصدق أن ثمة فهما خاصا ما يزال عميقاً من نظرة عينيها ومن دفء صوتها الذي خاطبتني به عاتبة علي هذا الصمت الذي أوصلني إليه العرض.أدركت ان كثيراً من المعاني الإنسانية ما تزال دفينة لديها و لم يتمكن العرض الذي أخرجته بنصه و قدرات ممثليه و طريقته من إيصال كل ما لديها إليّ أو للحضور . لذلك بقيت صامتاً طالما أن العرض يتعلق بالمرأة. وقبل أن نقول شيئاً آخر حان موعد تحرك الحافلة التي ستغادر بها و بفريقها المسرحي إلي دمشق فودعتها علي أمل أن أفرغ بعد جلبة المهرجان و اختلاط الحابل بالنابل مما هو غير حقيقي و أن أتصل بها هاتفياً كي أتعرف إليها أكثر. " إنها تجربتك، ألم تلحظ ذلك؟" و بعد أسبوع أدرت ذات مساء أقراص الهاتف الدولي فاستجاب في الحال بسرعة تمنيت لو ترددت قليلا أو كان خطها الهاتفي مشغولاً بمكالمة أخري. ألو مساء الخير مساء النور ، جاء الصوت طفولياً لأعرف فيما بعد أن المتحدثة علي الطرف الآخر تكون إبنتها . و متي ستعود الماما عمو؟ خلال ساعة، و ستأتي لنا بالمناقيش التي وعدتنا بها. إذن ابلغيها أنني سأتصل بعد ساعة أو بعد ساعة و نصف ريثما تأكلون المناقيش مع الشاي الساخن، فضحكت إبنتها الكبري مقترحة أن أتحدث أيضاً إلي أختها الصغري فأكون قد تعرفت علي العائلة وكنت قد علمت من المكالمة الأولي أن الصديقة تعيش لدي والدتها مع أطفالها دون وجود علاقة زوجية سابقة و دون عيش والد بناتها معها فازددت تفهماً لها و لم تعد علاقتي بها مذاك علاقة كاتب أو ناقد بمخرجة مسرحية. ثمة معاناة إذن وراء العرض المسرحي تجعل القصة اثنتين في واقع تجربتها هي و ربما من واقع تجربتي أنا أيضاً الذي كف منذ زمن طويل عن اداء دور الزوج في حياته المتأخرة في السن و الذاهبة عميقاً في العزلة. بعد ساعة ونصف أعدت الاتصال فاستجاب الهاتف بسرعة أيضاً . مرحباً عمو.. هل عادت ماما؟ و فجأة أسلمت الفتاة سماعة الهاتف لجدتها لأمها. مساء الخير ياابني مساء النور.. كيف حالك و كيف صحتك؟ ثم قمت بالتعريف بنفسي فلقيت الترحيب المناسب و الاعتذار عن تأخر إبنتها التي ذهبت بمفردها لإحضار المناقيش. و لم أخف قلقي رغم أنني و والدتها حاولنا كل منا أن يبعث الطمأنينة في نفس الآخر حول التأخير في جلب المناقيش. فلربما التقت في طريق الذهاب أو الإياب بصديق أو صديقة و ذهبا في حديث و شجون المسرح و الإخراج و المهرجانات أو الاتهامات و كل ما هو مأمول و مرتجي في نفوس و عقول و أحلام الفنانين. و هكذا أعربت محدثتي أيضاً عن شكرها لاهتمامي و عن قلقها علي موازنتي الهاتفية حيث أن المكالمات الدولية عادة ما تكون مكلفة لأمثالنا عندما يتحدثون بحميمية و دفء لا يحسب للمال حساب في مثل هذه الحالات. أغلقت السماعة و قد ازداد قلقي علي تأخرها. في الساعة الثانية عشرة ليلاً اتصلت رغم أننا اتفقنا في نهاية المكالمة الثانية علي أن ترن رنة واحدة علي هاتفي لتشعرني بعودتها عندما تعود و المناقيش التي أشك أنها ما تزال مناقيش ساخنة صالحة للأكل الشهي في تلك الساعة . رن الهاتف عدة رنات دون أن يجيب عليّ أحد أو أن يرفع السماعة علي الطرف الآخر فأرجأت الاتصال لليوم التالي معللا ذلك بأنني ربما تأخرت في الاتصال الثالث و ربما ذهب الجميع في النوم و ربما لا يكون هاتفهم بقادر علي الإرسال الدولي. لكن هذه التعلللات كلها لم تكن مقنعة لي تماما و كانت مجرد تسويغات لما هو غامض و مقلق، خاصة و أنها المبادرة الأولي لي في الاتصال بأي كان بعد نهاية المهرجانات التي تجعلنا أقرب إلي الإفلاس المادي منا إلي الأنتعاش . و عادة ما نحقق الانتعاش الفكري و الروحي و نحقق دفء الإنسان بالإنسان في حياتنا الوجدانية و الفكرية و الروحية التي نعيشها في الفن و الثقافة دون أن نكون قادرين علي التجارة الحقة في حياتنا و تحقيق المكاسب المادية و الضرورية لتسيير عجلة الحياة بشكل اعتيادي. قلت لنفسي " يالها من مناقيش تلك التي ذهبت لتشتريها" و وضعت احتمالات أخري لنوعية طازجة و مميزة منها و أبعدت المسافة ما بين منزل الصديقة و المطعم الذي يصنعها. بل تخيلت أن الصديقة ذهبت بعيداً بعيدا في جلبها و ربما إلي حيفا لولا أنني أدركت استحالة هذا الاحتمال لأن الصديقة لا تستطيع الذهاب إلي حيفا أو يافا أو عكا لمجرد شراء طبق من المناقيش لعدة أفراد . و في الشهر التالي دون أن يرن هاتفي و دون أن يتصل بي أحد طوال تلك المدةة أدرت قرص الهاتف قبل أن يفصل و قد فرغ الجيب تماماً من إمكانية سداد فواتيره، لأسمع ذات الإجابة : " ذهبت لشراء مناقيش يا ابني و لم تعد" .. و فجأة أدركت أن المناقيش التي ذهبت صديقتي لشرائها ليست كأية مناقيش عادية. ليست متوفرة في سوريا او في الأردن او في أميركا او في أوروبا و لا في كل الأماكن التي نعرف. إنها المناقيش التي هي تعرف و التي هي تريد و التي هي تحلم، فكل ما أعلم حتي الآن رغم مرور سنوات علي تلك المكالمات و بعد أن انقطعت عني كل أخبارها و بعد أن لم يعد لديهم هاتف يرن أو لدي هاتف يرسل أنها مناقيش بعيدة مناقيش بعيدة فقط مناقيش فقط بعيدة .